الحلبي
15
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ولا يخالف ذلك ما تقدم من أن حليلا آخر من ولي أمر البيت والحكم بمكة ، لجواز أن يكون المراد آخر من ولي ذلك ، واستمر كذلك إلى أن مات . قال بعضهم : وكان أبو غبشان خالا لقصي ، وكان في عقله شيء ، فخدعه قصي فاشترى منه أمر مكة والبيت بأذواد من الإبل . والجمع بين هذه الروايات من أن قصيا أخذه من أبي غبشان بزق خمر ، وبين أنه أخذ ذلك بأثواب وأبعرة ، وبين أنه أخذ ذلك بأذواد من الإبل ممكن ، لجواز أن يكون جمع بين الخمر والأثواب والإبل فوقع الاقتصار على بعضها من بعض الرواة تأمل . ثم جمع قصي قريشا بعد تفرقها في البلاد وجعلها اثنتي عشرة قبيلة كما سيأتي ، ومن ثم قيل له مجمع . وفي كلام بعضهم : ولذلك سماه النبي صلى اللّه عليه وسلم مجمعا ، وإلى ذلك يشير قول الشاعر : قصي لعمري كان يدعى مجمعا * به جمع اللّه القبائل من فهر وهذا البيت من قصيدة مدح بها عبد المطلب مدحه بها حذافة بن غانم ، فإن ركبا من جذام فقدوا رجلا منهم غالته بيوت مكة ، فلقوا حذافة فأخذوه فربطوه ثم انطلقوا به ، فتلقاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف معه ابنه أبو لهب يقوده وقد ذهب بصره ، فلما نظر إليه حذافة هتف به ، فقال عبد المطلب لأبي لهب : ويلك ما هذا ؟ قال : هذا حذافة بن غانم مربوطا مع ركب ، قال ألحقهم واسألهم ما شأنهم ، فلحقهم فأخبروه الخبر ، فرجع إلى عبد المطلب ، فقال ما معك ؟ قال : واللّه ما معي شيء ، قال : ألحقهم لا أم لك وأعطهم ما بيدك وأطلق الرجل ، فلحقهم أبو لهب فقال : قد عرفتم تجارتي ومالي ، وأنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهبا وعشرا من الإبل وفرسا ، وهذا ردائي رهنا بذلك ، فقبلوه منه وأطلقوا حذافة فأقبل به ، فلما سمع عبد المطلب صوت أبي لهب قال : وأبي إنك لعاص ؟ ارجع لا أم لك ، قال : يا أبتاه هذا الرجل معي ، فناداه يا حذافة أسمعني صوتك فقال : ها أنا ذا بأبي أنت يا ساقي الحجيج أردفني ، فأردفه خلفه حتى دخل مكة ، فقال حذافة هذه القصيدة ومطلعها : بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه * يضيء ظلام الليل كالقمر البدر وهي قصيدة جيدة . فإن قيل : كيف قبل القوم من أبي لهب رهن ردائه على ما ذكره لهم في أن يخلوا عن الرجل مع أن رداءه لا يقع موقعا من ذلك ؟ أجيب : بأن سنة العرب وطريقتهم أن الواحد منهم إذا رهن غيره ولو شيئا حقيرا على أمر جليل لا يقدر ، بل يحرص على وفاء ما رهن عليه ، ومن ثم لما أجدبت أرض تميم بدعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم عليهم ذهب سيدهم حاجب بن زرارة والد عطارد